الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
186
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
الظلام هو الطبيعة الأصل للكرة الأرضية ، وأن النور والإضاءة صفة عارضة عليها تأتيها من مصدر آخر ، فهو كاللباس الذي يرتدى ، وحينما يخلع ذلك الثوب ، يظهر اللون الطبيعي للبدن ( 1 ) . هنا يشير القرآن الكريم إلى ظلمة الليل ، وكأنه يريد - بعد أن تعرض إلى كيفية إحياء الأرض الميتة كآية من آيات الله في الآيات السابقة - أن يعرض نموذجا عن الموت بعد الحياة من خلال مسألة تبديل النور بظلمة الليل . على كل حال ، فعندما يستغرق الإنسان في ظلمة الليل ، ويتذكر النور وبركاته ونشاطه ومنبعه يتعرف - بتأمل يسير - على خالق النور والظلام . الآية التي بعدها تتعرض إلى النور والإضاءة وتذكر الشمس فتقول : والشمس تجري لمستقر لها ( 2 ) . هذه الآية تبين بوضوح حركة الشمس بشكل مستمر ، أما ما هو المقصود من تلك الحركة ؟ فللمفسرين أقوال متعددة : قال بعضهم : إن ذلك إشارة إلى حركة الشمس الظاهرية حول الأرض ، تلك الحركة التي ستستمر إلى آخر عمر العالم الذي هو نهاية عمر الشمس ذاتها . وقال آخرون : إنه إشارة إلى ميل الشمس في الصيف والشتاء نحو الشمال والجنوب على التوالي ، لأننا نعلم بأن الشمس تميل عن خط اعتدالها في بدء الربيع بطرف الشمال ، لتدخل في مدار ( 23 ) درجة شمالا ، وتعود مع بدء الصيف قليلا قليلا حتى تنتهي إلى خط اعتدالها عند بداية الخريف وتستمر على خط
--> 1 - الراغب في " المفردات " يقول : السلخ نزع جلد الحيوان ، يقال سلخته فانسلخ ، وعنه أستعير سلخت درعه نزعتها ، وسلخ الشهر وانسلخ ، ولكن بعض المفسرين يقولون : إن ذلك في حالة تعدي " سلخ " بحرف الجر " عن " وإذا تعدى بالحرف " من " يكون بمعنى الإخراج ، ولكن ليس من دليل واضح في كتب اللغة على هذا التفاوت - على ما نعلم - وإن كان " لسان العرب " يقول : " إنسلخ النهار من الليل خرج منه خروجا " والظاهر أن هذا مأخوذ من المعنى الأول . 2 - هذه الجملة لها إعرابان ، فإما أن تكون معطوفة على " الليل " والتقدير " وآية لهم الشمس " ، وإما أن تكون مبتدأ وخبر ، فالشمس مبتدأ و ( تجري ) خبر ، وقد اخترنا الإعراب الأول .